شيخ محمد قوام الوشنوي

337

حياة النبي ( ص ) وسيرته

كتاب الإتقان والملخّص أنّه وقع بعدّة وجوه ؛ منها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إعجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشّأن ، ومنها صور نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ، ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظيره ، ومنها : ما انطوى عليه من الاخبار بالمغيبات وما لم يكن فوجد كما ورد ، ومنها : ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية والشّرائع السّالفة ممّا كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلّا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلّم ذلك فيورده ( ص ) على وجهه ويأتي به على نصّه وهو امّي لا يقرأ ولا يكتب ، ومنها : ما تضمّنه من الأخبار عن الضمائر كقوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وقوله تعالى وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ ، ومنها : أي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنّهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله في اليهود وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ، ومنها : ترك المعارضة مع توفّر الدّواعي وشدّة الحاجة ، ومنها : الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند سماع تلاوته كما وقع لجبير بن مطعم أنّه سمع النبي ( ص ) يقرأ في المغرب ( بالطّور ) قال : فلمّا بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ « 1 » إلى قوله الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبي يطير ، قال : وذلك أوّل ما وقّر الإسلام في قلبي ، ومنها : انّ قارئه لا يملّه وسامعه لا يمجّه بل الإكباب على ما تلاوته يزيد حلاوة وترديده يوجب له محبّة ، وغيره من الكلام يعادي إذا أعيد ويملّ مع الترديد ، ولهذا وصف ( ص ) القرآن بأنّه لا يخلق على كثرة الرّد ، ومنها : كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدّنيا مع تكفّل اللّه بحفظه ، ومنها : جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة . ومنها : جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادّين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا ، ومنها : جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدّمة قد تحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه ، كما قال تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .

--> ( 1 ) سورة الطور / الآية 35 .